
ما هي أورام الدماغ؟
كما هو الحال في جميع أعضاء الجسم، يمكن أن يتطور السرطان في الدماغ. إلا أن الوضع قد تغير؛ إذ توجد الآن العديد من الأساليب الحديثة في تشخيص وعلاج أورام الدماغ، بدءًا من تقنيات الخزعة المتخصصة وصولًا إلى العلاجات الموجهة. علاوة على ذلك، تتحسن النتائج بشكل ملحوظ بفضل العمل التعاوني بين مختلف التخصصات (النهج متعدد التخصصات، ومجالس أورام الجهاز العصبي).
الدماغ منطقة وظيفية صغيرة لكنها واسعة، تتكون من آلاف التلافيف والمسارات العصبية. كل دراسة تُجرى عليه تُشبه حفر بئر بإبرة. ورغم بنيته المعقدة، فإن المناطق التي لا تزال غامضة تُضاء يومًا بعد يوم بنور العلم. وبينما يمكن السيطرة على الأمراض التي تصيب الدماغ، العضو المركزي في جسمنا، من خلال علاجات ذكية، فإن التقدم المحرز في تشخيص وعلاج أورام الدماغ، على وجه الخصوص، يُؤتي ثماره بالفعل، وهو ما يُعد مصدر فخر كبير للعالم الطبي. اليوم، تُقيّم أورام الدماغ بدقة متناهية باستخدام العلاجات الجراحية والإشعاعية والجهازية، وذلك بفضل التقنيات والأساليب الحديثة، مدعومةً بالخبرات الجماعية الواسعة لفروع طبية متعددة. وقد أدى ذلك إلى تحسين السيطرة على الأورام، وإطالة أعمار المرضى، والحد من تلف الخلايا العصبية الناتج عن العلاج.
أكثر من 130 نوعًا
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يوجد أكثر من 130 نوعًا من أورام الدماغ. وبينما تُعدّ الأورام التي تنتشر إلى الدماغ من أعضاء أخرى (وخاصةً من سرطان الرئة والثدي) أكثر شيوعًا، فإن أورام الدماغ الأولية، الناشئة من خلايا الدماغ نفسها، تتميز بتنوعها الكبير وبنيتها الخلوية المعقدة. كما يُعدّ التاريخ العائلي (الوراثة)، والتعرض للإشعاع، والفيروسات الحيوانية، والتعرض لبعض المواد الكيميائية، وتدخين التبغ من عوامل الخطر الرئيسية لتكوّن هذه الأورام. ورغم عدم وجود طريقة فحص قياسية للكشف المبكر عن أورام الدماغ، إلا أنه من المفيد اعتبار بعض الأعراض مؤشرات قوية، كما ذكرنا في هذه المقالة.
في عام 2019، توفي ما يقارب 10 ملايين شخص بسبب السرطان. تشمل الأسباب الأكثر شيوعًا للسرطان تعاطي التبغ والكحول، واتباع نظام غذائي غير صحي، وقلة النشاط البدني، وتلوث الهواء. وتُسجّل الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية أعلى معدلات الوفيات بالسرطان. أما أكثر أنواع السرطان شيوعًا فهي: أولًا، سرطان الرئة؛ ثانيًا، سرطان القولون والمستقيم؛ ثالثًا، سرطان الثدي؛ رابعًا، سرطان الكبد؛ خامسًا، سرطان الدم (اللوكيميا)؛ سادسًا، سرطان المعدة؛ وسابعًا، سرطان الدماغ والجهاز العصبي المركزي. يشهد معدل الوفيات بالسرطان انخفاضًا، مع انخفاض ملحوظ في سرطانات الرئة والجهاز التنفسي، بالتزامن مع انخفاض معدلات التدخين. يبقى معدل الوفيات لأورام الدماغ مستقرًا عند 3%. وللأسف، تُعد أورام الدماغ السبب الرئيسي للوفاة بين أورام الأطفال.
غالبًا ما تُلاحظ نقائل دماغية في أورام الدماغ. أما السرطانات التي تنشأ من خلايا الدماغ نفسها فتُسمى أورامًا أولية. وتختلف هذه الأورام، المصنفة إلى حميدة وخبيثة، بين مرحلتي الطفولة والبلوغ.
قيّمت أحدث نسخة من مجلة علم الأورام العصبية، الصادرة عام ٢٠٢٣، بيانات ٥٥٦,٠٠٠ مريض بالغ تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٩٩ عامًا من ٥٩ دولة خلال الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٤. وشملت الدراسة أورام الخلايا النجمية المنتشرة واللانمطية، والورم الأرومي الدبقي، والورم الدبقي قليل التغصنات لدى البالغين. وكان الورم الأرومي الدبقي هو الورم الأكثر شيوعًا لدى البالغين. أما لدى الأطفال، فقد شملت الدراسة حوالي ٦٨,٠٠٠ مريض تتراوح أعمارهم بين ٠ و١٤ عامًا من ٦١ دولة خلال الفترة نفسها. وشملت الدراسة أورام الخلايا النجمية منخفضة الدرجة، وأورام البطانة العصبية، وأورام النخاع. وأشارت النتائج إلى أن العلاج الجراحي والإشعاعي والكيميائي لهذه الأورام يؤثر على متوسط عمر المريض ونوعية حياته.
وقد سُجلت معدلات بقاء مماثلة عند مقارنة تركيا بدول أخرى. مع التقدم التكنولوجي في السنوات الأخيرة، أصبحت العمليات الجراحية التي تُجرى في غرف العمليات الهجينة أكثر نجاحًا، وتقل المضاعفات، ويمكن للمرضى مغادرة المستشفى في وقت أقصر.
وعلى وجه الخصوص، ينبغي استشارة الطبيب في حال ظهور واحد أو أكثر من الأعراض التالية: الصداع، والقيء، والغثيان، واضطرابات الرؤية، وفقدان الوعي، والنوبات (الصرع)، وضعف في الذراعين والساقين، والتهيج، وفقدان الشهية، وضعف السمع، والنسيان، وصعوبات في الكلام والفهم، وعدم القدرة على الكتابة، وفقدان التوازن، وتضخم اليدين والقدمين.
نظرة فاحصة على الأورام!
في السنوات الأخيرة، ونتيجةً للتطورات في علم الأمراض الجزيئي، تُحدّث منظمة الصحة العالمية تصنيفاتها للأورام. وبطبيعة الحال، ينعكس هذا على استراتيجيات العلاج العملية. ولا تزال الجراحة المجهرية اليوم العلاج الأهم لأورام الدماغ. وتلعب خزعة الدماغ التجسيمية دورًا حاسمًا، لا سيما في أورام الدماغ التي يكون فيها تشخيص الأنسجة مهمًا، وفي الحالات التي لا يمكن فيها إجراء الجراحة أو عند وجود آفات مشبوهة. على الرغم من التطورات في تقنيات التصوير، لا يزال التصوير المقطعي المحوسب يُستخدم لأغراض التشخيص في حالات آفات الدماغ المشتبه بها. إنه أسلوب آمن وفعال ذو معدل مضاعفات منخفض، ويتيح التشخيص في 95% من الحالات في مستشفانا.
"مع التقدم التكنولوجي في السنوات الأخيرة، تُجرى جراحات أورام الدماغ بنجاح أكبر في بيئات غرف العمليات الهجينة، مما يقلل المضاعفات، ويُسرّع تعافي المرضى."

